ان لم تكن منا فانت حتما خائن .. الجميع في بلدنا الحبيب الغالي يتبع و يطبق هذه الجملة بحذافيرها، لقد اصبح الاختلاف في وجهات النظر خيانة عظمى بالنسبة للفكرة السائدة عند قطاع كبير من الشعب او حتى قليل، فبالنظر الي ما آلت اليه الاوضاع السياسية في مصر بعد ثورة 25 يناير فسنجد اننا لم ننجح في شئ سوى حملات التخوين و التشهير و الخوض في نوايا البشر و تحليلها مسبقا دون ان ننتظر لتوضيحات من صاحبها، و دون ان نكلف انفسنا عناء السؤال عن مقاصد الافكار و اتجهاتها و دوافع وجودها .
لم ننجح في شئ سوى في تقديم البلاغلات للنائب العام بتهم كالخيانة و تلقي تمويل اجنبي و قلب نظام الحكم و سب الذات "الرئاسية" و غيرها من التهم "اللي تشل" و التي اكاد اجزم ان مقدمي البلاغات من هواة الشهرة و من المتشدقين بالوطنية كذبا و زروا .
بدأت حملة التخوين منذ اليوم الاول لثورة يناير 2011 فذهب من هو معارض للثورة يتهم من كانوا في ميدان التحرير بالخيانة و تلقي الاموال من الخارج و تناول وجبات "كنتاكي" ، بينما ذهب كل من بداخل ميدان التحرير باتهام كل من خارجه بانهم فلول او عبيد النظام او من اصحاب المصالح خونة الشعب ، لم يسلم احد طيلة ثمانية عشرة يوما من تهمة الخيانة .
انتهت الثورة و تنحى مبارك و فُض الاعتصام و تولى المجلس العسكري شئون الحكم ، و مع انقشاع نظام مبارك و حزبه ظهرت على الساحة التيارات الدينية على مختلف مسمياتها و التي كانت الاكثر تنظيما بين كل التيارات ، و ظهرت قوتها في الدعوة للتصويت بنعم في استفتاء 19 مارس و بدت اكثر وضوحا حينما اعلنت نتيجة الاستفتاء التي كانت لصالح ما قامت به تلك التيارات من دعايا مستخدمة فيها الدين و التخوين ، لكننا كنا امام نوعا جديدا من التخوين، انه التخوين الديني، ان لم تصوت بنعم فانت خائن للدين و للشريعة و لله بل و كافر !! ، اما الطرف الاخر فاستخدم التخوين التقليدي للتاثير على المستفتين فكانت دعوتهم بان إذا لم تصوت بلا فانت خائن للثورة و دماء الشهداء ، اي خبل هذا ؟
اما على مستوى القيادة فقد اتحفنا المجلس العسكري بتهمة لم يكن احد يسمع عنها من قبل سوى من خدم في الجيش و هي "مناوئة المشير" لم اصدم في حياتي مثل صدمتي حينما سمعت تلك التهمة التي وجهت لبعض الشباب الذي فطن لسرقة الثورة من يده .
و في تلك الفترة ظهر اول اتهام بتلقي اموال من الخارج حين اتهم عضو من اعضاء المجلس العسكري حركة 6 ابريل بتلقي تمويل اجنبي و ايده كل التيارات الدينية في اتهامه ظنا منهم بامكانية التخلص من تلك الحركة و لكن شئ ما حدث جل هذا التيار بالتراجع عن اتهامه لحركة 6 ابريل بالعمالة .
انقضى عهد المجلس العسكري بانتخاب مرشح جماعة الاخوان المسلمين "محمد مرسي" رئيسا للجمهورية كأول رئيس منتخب في ما اسموه بالجمهورية الثانية لتتجلى و تنشط البلاغات للنائب العام الذي عينه الرئيس و لم تقتصر البلاغات على تلقي تمويل اجنبي بل امتدت لتشمل اهانة الرئيس و ازداء الاديان و سب الصحابة ، بالاضافة طبعا الي التهم بالخيانة و "الفلولية" لكل من يعارض الرئيس او جماعته او حزبه و اذنابه ،و امتدت الامر ليصل الي حد التصفية الجسدية و فض الاعتصامات من قبل انصار الرئيس الامر الذي بدى و كأن هناك حرس ثوري على غرار الحرس الثوري الايراني .
و مع ظهور حركة تمرد اشتدت حدة التخوين و التخوين المضاد، فكل من وقع على استمارة تمرد في نظر من لم يوقع خائن و العكس ، و في 30 يونيو و مع نزول الشعب الي الشارع للمطالبة برحيل الرئيس مرسي و نظامه انطلقت الاتهامات بالخيانة كالسهام في كل اتجاه فكل من كان في رابعة يرون ما خارجه خونة للاسلام و للمشروع الاسلامي، و العكس كل من كان خارج رابعة يجزم و يقطع ان من داخله ما هم الا مأجورين او على اهون تقدير مغيبين .
عزل الرئيس و انتهى حكم الاخوان لكن استمرت اتهاماتهم لكل معارضيهم و هم الاغلبية الساحقة من الشعب بالخيانة، و وجد الناس فرصة للتشفي و القاء التهم على الاخوان بالخيانة ايضا .
من الاخر .. نحن لا نجيد سوى الهدم و الخوض في الاعراض و التفتيش وراء النوايا و الصاق التهم دون دليل لمجرد اختلاف في وجهات النظر السياسية ، لكننا لم ننتبه على مدار عامين و اكثر اننا لا ناقة لنا ولا جمل في كل ما يحدث على الساحة السياسية و كل ما حدث و كل ما هو قادم الحدوث امور خارجة عن طموحاتنا في الحياة الكريمة و الاستقلال الوطني .
متى نفيق مما نحن فيه .. لا احد يعلم .. او بالاحرى لا احد يرغب
No comments:
Post a Comment